الشيخ محمد الصادقي الطهراني
73
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
هو الإيمان والعمل الصالح ، دون اختصاص بسابق أو لاحق ، وإن كان للسابقين - بما هم حجر الأساس - لهم فضلهم ، ولكنما السبقة والسباق في الإيمان أيضاً قد يحصلان بعد البداية ، أو كأفضل منها أحياناً ، وفي ظروف أشد خطورة ، وأجواء أظلم وأطغى . « والذين جاءوا من بعدهم ) : من بعد المهاجرين والأنصار الأولين ، جاءوا للإيمان كما هم ، أم جاءوا إلى الوجود ونشؤا في جو الإيمان ، بَعدية كونية أم كيانية يجمعهما أنهم مؤمنون ، وهذا عطف على الفقراء المهاجرين ، يعطفهم على « ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل » للعطف بهم في تقسيم الفيء والأنفال ، مما يدل على شمول الفيء لكافة المؤمنين الفقراء ، وإن كان بنو هاشم أولى إذا ساووهم في الإيمان أو سابقوهم . فهذه صورة ثالثة وضيئة عن المؤمن الحقيقي ، تُطَمْئِنه أنه لو حرم الهجرة والنصرة الأولى ، ولكنه لا يحرمهما بعدهما ، فلتكن حياة المؤمن حياة الهجرة والنصرة في اللَّه دون أن يخاف أحداً إلا اللَّه . هؤلاء تشبه حالُهم مقالَهم : « يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان » : سبْقَ الزمان أو سبْق الإيمان في درجاته ، فهم مهما انفصلوا عن إخوانهم المؤمنين ، الأنصار والمهاجرين ، زماناً ومكاناً ، ولكنهم لا ينفصلون عنهم أُخوّةً وإيماناً ، فقد تتجلى فيهم الآصرة الباهرة التي تربط هذه الأمة بعضها ببعض ، والتي تتخطى الزمان والمكان ، وكل ما سوى الإيمان ، فلا يحبون لأنفسهم ويطلبون ، إلا ويطلبونه ويحبونه لإخوانهم الذين سبقوهم في الإيمان ، وليس تقديم أنفسهم في الدعاء إلا تبوُّء لها لكي تستجاب دعوتهم لإخوانهم ، ومن ثم لأنفسهم ، وهذا لون من ألوان الإيثار ، بالنسبة لمن سبقوهم أحياءً وأمواتاً . « ولا تجعل في قلوبنا غِلًا للذين آمنوا » : الغِلُّ هو العداوة والضَّغن من الغُلِّ : القيد ، فكما الغُل قيد للأجسام ، كذلك الغِل قيدٌ للصدور والأرواح ، يجعلها ضيِّقة ضنكاً ضغينة ، فاللَّه تعالى ينزع الغِل من صدور من ينتزعه بسعيه : « ونزعنا ما في صدورهم من غِلٍّ تجري من تحتهم الأنهار » « 1 » « . . . إخواناً على سُرر متقابلين » « 2 » ، كما وأنه يجعل فيها الغِل لمن يغلّ ، فيذره في غِلِّه يَعْمَه ، وفي طغيانه يتردد ، فالمؤمنون العاملون لانتزاع الغلّ عن صدورهم يلتمسون من اللَّه تعالى أن يعينهم لزوال الغِل ، إذ كَلَّ سعيُهم وقلَّت حيلتهم في تواتر الأغلال « ربنا إنك رؤوف رحيم » .
--> ( 1 ) . 7 : 43 ( 2 ) . 15 : 47